ابن أبي الحديد

30

شرح نهج البلاغة

ولكن لا إلى حد يمتنع على كل من رأى الرسول أو صحبه يوما أو شهرا أو أكثر من ذلك أن يخطئ ويزل ، ولو كان هذا صحيحا ما احتاجت عائشة إلى نزول براءتها من السماء ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وآله من أول يوم يعلم كذب أهل الإفك ، لأنها زوجته ، وصحبتها له آكد من صحبة غيرها . وصفوان بن المعطل أيضا كان من الصحابة ، فكان ينبغي ألا يضيق صدر رسول الله صلى الله عليه وآله : ولا يحمل ذلك الهم والغم الشديدين اللذين حملهما ويقول صفوان من الصحابة ، وعائشة من الصحابة ، والمعصية عليهما ممتنعة . وأمثال هذا كثير وأكثر من الكثير ، لمن أراد أن يستقرئ أحوال القوم ، وقد كان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك ، ويقولون في العصاة منهم مثل هذا القول ، وإنما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك . قال : ومن الذي يجترئ على القول بأن أصحاب محمد لا تجوز البراءة من أحد منهم وإن أساء وعصى بعد قول الله تعالى للذي شرفوا برؤيته : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) ( 1 ) بعد قوله : ( قل إني أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم ) ( 1 ) وبعد قوله : ( فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ) ( 2 ) ، إلا من لا فهم له ولا نظر معه ، ولا تمييز عنده . قال : ومن أحب أن ينظر إلى اختلاف الصحابة ، وطعن بعضهم في بعض ورد بعضهم على بعض ، وما رد به التابعون عليهم واعترضوا به أقوالهم ، واختلاف التابعين أيضا فيما بينهم ، وقدح بعضهم في بعض ، فلينظر في كتاب النظام ، قال الجاحظ : كان النظام

--> ( 1 ) سورة الزمر 65 . ( 2 ) سورة ص 26 .